الفكرالإسلامي

 

سُنَّـة رقيِّ الأمم وانحطاطها

بقلم: الأستاذ محمد ساجد القاسمي(*)

 

 

 

        إن رُقيَّ الأمم وتقدُّمها وازدهارحضارتها، أوانحطاطها وذهاب ريحها، واضمحلال حضارتها أمِنَ المصادفات السارة أو السيئة؛ أم له علل وأسباب طبيعيَّة؟

     إن رُقيَّ الأمم وتقدّمها، وسقوطها وانحطاطها، واستقلال أمورها وازدهار حضارتها مشروط بشروط طبيعية، كالسنن الطبيعية التي سنَّها الله تعالى في هذا العالم من تمدُّد الأشياء بالحرارة، وانكماشها بالبرودة، وانجذابها وفقًا لقانون الجاذبيَّة، وكهربتها وفقًا لقانون الكهربة، وحصول المسببات عقب الأسباب.

     فأيُّ أمة توفَّرت فيها تلك الشروط رقيت وتقدَّمت، وبقدر ما حققت الشروط كان بمقدارها رقيُّها وتقدُّمها. ولا يعبأ الله بالأسماء مسلمًا كان أو كافرًا، أو نصرانيًّا أو وثنيًّا. يقو ل المثل العربي: من سار على الدرب وصل.

     فقوانين الرقي والانحطاط واحدة في جميع الأمم، وطبيعية كطبيعة الشمس تطلع على المؤمن والكافر، وكالزرع يُنبت للجميع: للمؤمن والكافر. إن الرقيّ ليس مقصورًا على أمة دون أمة، ولا حكرًا على أهل دين  دون آخرين. إنما هي كالقوانين الطبيعية، تقدم من سار عليها ومن لم يسر عليها تأخَّر، سواء كان مسلمًا أو كافرًا أو وثنيًا.

     إذا استوفت أمة شروط الرقيِّ والتقدم  رقيت وتقدَّمت لامحالة، وإذا كانت هذه الشروط عشرة فاستوفت تسعة أو ثمانية كان تقدُّمها بمقدارها، والدين أحد هذه الشروط لا كلها. فالمشركون لو توفَّرت فيهم هذه الشروط كلّها ماعدا الدين تقدّموا تقدّمًا ناقصًا بقدر عامل الدين الصحيح.

     ولذلك نرى أنَّ كثيراً من الأمم  الكافرة المعاصرة  تستوفي تلك الشروط فتتقدم وتنهض. ولما كان  ينقصها الدين الصحيح فتقدُّمها ناقص لا كامل؛ لأن تقدُّمها في الحياة الدنيا، ولا خلاق لها في الآخرة.

     وأما الشروط التي يرجع إليها رقي الأمم وتقدّمها  فهي كثيرة، بعضها فيما يلي:

     1- الدين

     2- الوعي القومي الناضج ومعرفة هدفه.

     3- الكفاح والتضحية

      4- الحالة الاقتصادية في الشعب

     5- الحالة الاجتماعية

     6- وجود العلماء المخترعين(1).

     لقد تقدَّم المسلمون في عهد الرسالة وصدر الإسلام عند ما توفَّرت فيهم هذه الشروط كلها، وإن تغيَّرت صيغُها وأسماؤها، فقد كانوا يحملون ديناً يُوفي بهذه الشروط .. كانوا كتلة واحدة توحَّدت غاياتها، وتوحَّدت عقيدتها، وتوحَّدت تقريبًا جنسيتُها، ولهذا كانوا قوَّة كبرى أطاحت بدولتين عظيمتين: دولة الفرس ودولة الروم، وفتحوا الفتوح ، ونظَّموا شعب الحياة كلها تنظيمًا رائعًا، وحكموا العباد والبلاد، وقادوا العالم.

     لقد تحقَّق وعدُ الله تعالى باستخلافهم في الأرض، وتمكين دينهم الذي ارتضى لهم،  حيث قال:

     «وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ»(النور/55).

     فالشروط التي تحقَّقت فيهم هي  وحدةُ الدين و العقيدة، ووحدةُ الهدف والغاية، والاعتصامُ بحبل الله وعدمُ التفرق، والتضامنُ والتعاونُ، والتشاورُ ومبادلةُ الرأي، وإعدادُ القوة المرهبة للأعداء ، والقيامُ بالقسط وبسطُ المعدلة، والبعدُ عن الترف والنعيم ، وبلهنيةِ العيش و الرفاهية، وما إلى ذلك من المقومات الأساسية التي يقتضيها الإيمان والعمل الصالح المذكورَين في آية الاستخلاف.

     فقدكانوا أصحابَ دين وعقيدة واحدة ؛ فلا بلبلةَ ولا اضطرابَ «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ» (آل عمران/19). وكانوا أولي غاية وهدف واحد «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْـمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْـمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله» (آل عمران/110).

      كما كانوا أفرادَ أمة واحدة؛ فلا تقديسَ لجنس أو لون أووطن:

     «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات/13).

     وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربَّكم واحد، وأباكم واحد، ولا فضلَ لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى»(2).

     وكانوا إخوانا متعاونين ومتعاضدين؛ فلا انقسامَ ولا تفرُّقَ:

     «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (آل عمران/103).

     كانوا يتشاورون في أمورهم وقضاياهم، فلا استبدادَ ولا أنانيةَ، «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم» (الشورى/38).

     وكانوا قوةً مرهبةً لأعداء الله وأعدائهم«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ» (الأنفال/60).

     وكانوا عادلين مقسطين، وقد أمرهم الله تعالى بالعدل والقسط، فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ» (المائدة/8).

     وكانوا أبعدَ خلقِ الله عن الترف والنعيم الذي يُهلك الأمم، ويُفنيها؛ لأن القرآن قصَّ عليهم سنة الله في المترفين  حيث قال: «وَإِذَا أرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا» (الإسراء/16)

     لقد اجتمعت فيهم مقوِّمات الاستخلاف في الأرض، فلو اجتمعت في مسلمي اليوم لحصل لهم الاستخلاف أيضًا؛ لأن الاستخلاف الذي وعدنا الله به مشروط بالإيمان والعمل الصالح.

     قال الإمام الرازي في تفسير آية الاستخلاف: «..فقد وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات أي الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح أن يستخلفهم في الأرض»(3).

     والاستخلاف في الأرض غيرمقصور على عهد الصحابة أو الخلفاء الراشدين، وإنما هو وعد ثابت من الله تعالى وسنة له مطِّردة، لمن تحقق فيهم شرط الاستخلاف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، إلى يوم القيامة. قال الإمام القرطبي مبيِّنًا عموم الآية وعدم قصرها على عهد الخلفاء الراشدين: فقال: «...فصحَّ أن الآية عامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم غير مخصوصة، إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب [له] التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم»(4).

     وقال ابن كثير : «فالصحابة لما كانوا أقوم الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وأطوعهم لله تعالى كان نصرهم بحسبهم، فأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيَّدهم الله تأييدًا عظيمًا، وحكموا في سائر البلاد. ولما قصر الناس بعدهم في  بعض الأمورنقص ظهورهم بحسبهم»(5).

     فالاستخلاف في الأرض وعد من الله صادق وسنة له مطردة، فمن تحقق فيهم شرطه، وهو الإيمان ومعانيه والعمل الصالح ومقتضياته استحقوا الاستخلاف، وإذا نقصت هذه المعاني  ينقص استحقاقهم في الاستخلاف، فيكون لهم بعض معاني الاستخلاف لا كلها(6).

*  *  *

     من سنن الله تعالى في الأمم أن الأمة  إذا كانت فيها طائفة تقوم  بمهمة الأمربالمعروف والنهي عن المنكر، و الدعوة إلى الإصلاح، واستنكار الفساد تبقى حياتها ويستمرُّ بقاؤها.

     وهذه الطائفة من الصالحين المصلحين هي تحفظ الأمة من الوقوع في هاوية التردي والهلاك. و هي كالأطباء  للأفراد، يشخصون الأمراض ويصفون لها الدواء.

     فبقدر جدِّ هذه الطائفة ونشاطها تكون حياة الأمم، وبقدر ضعفها تضعف الأمم.وقد قال الله تعالى:

     «فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ» (هود:117).

     وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ(الأنبياء:105)

     2-   ومن سننه تعالى أن الأمة إذا طغى أمراؤها وحكامها، وانغمسوا في الترف والنعيم، وأغرقوا في الشهوات والملذات، ولم يأبهوا لمصالح الدولة وشعبها، ولم يأخذ العقلاء على أيديهم، كان مصيرها الفناء. وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (الإسراء/16)

     وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (هود/117)

     ومن سننه تعالى أن الظلم والفساد والبغي سبب انحطاط الأمة وضعفها وهلاكها. لقد اطردت سنة الله تعالى في إهلاك الأمم الظالمة، قال تعالى: «ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَـمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ»(هود/102).

     فقد بيَّن الله تعالى سنته في إهلاك الظالمين، وهي أنه تعالى يأخذ كل من ظلم مثل ما أخذ هؤلاء الظالمين، فسنة الله تعالى عامة لكل من سلك مسلكَهم وحذا حذوَهم.

     ومن سننه تعالى أن الأمم تهلك بسبب سيطرة  أصحاب  الثروة والمال، ورغبتهم أن يفعلوا في أموالهم مايشاءون، وقدضرب الله تعالى مثلاً أمة شعيب إذ كانوا يستبيحون تنمية الثروة بكل الطرق كالتطفيف في الكيل والوزن، و بخس الناس أشياءهم. وكان شعيب عليه السلام ينهاهم عن ذلك، و يوصيهم باجتناب أكل أموال الناس بالباطل، وقناعتهم بالحلال. وهم يقولون: إنهم أحرار في أموالهم يفعلون بها مايشاءون. «قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ» (هود/87).

      فعاقبهم الله بإهلاكهم وضياع أموالهم.

     ومن سننه تعالى أنه يبتلي الأمم بالمصائب والكوارث، ليصلب عودها، ويزول ما  تطرق إلىها عن طريق الترف والرفاهية من مفاسد ورذائل، كا لحديد إذا صدئ يُحمى في النار، فالأمم التي عركتها المصائب، وصلبتها الكوارث أصلح للبقاء، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة.

     «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ» (آل عمران/186)

     فإن صبرت أمة على الأذى والمصائب التي تصيبها من الأعداء، وتتقي الله ففي يوم من الأيام تنال غايتها المرجوة، بينما تُهلك أعداءَها سلبياتُها.

     رأينا أن المسلمين في مكة كانوا مستضعفين في بداية عهدهم، وكان المشركون يهيلون عليهم أنواعًا من العذاب، ويصبون عليهم صنوفًا من التنكيل. وكانوا يحتملون كل ذلك في سبيل دينهم وعقيدتهم صابرين محتسبين، ويصمدون أمامهم صمودَ الجبال الراسيات.

     كان المسلمون في هذه المرحلة من تاريخهم بأمس حاجة إلى تلقين الصبر، واليقين بنصر الله، والاستماتة في سبيل العقيدة، والصمود أمام الأعداء، فنزلت في مكة سور كثيرة ذُكر فيها اليهودُ الأوائل الذين صبروا لأذى فرعون وقومه، وتحملوا المشاق والمتاعب، فتحولوا من شعب مستضعف يذبح أبناؤه وتستحيى نسوتُه إلى  شعب مكين في الأرض سيد على ظهرها.

     وقد سئل ابن القيم: أيُمكَّن للرجل أولا ثم يُبتلى، أم يُبتلى ثم يُمكَّن له؟ فقال: يُبتلى أولا ثم يُمكَّن له، وتلا قوله تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَـمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ»(السجدة/24).

     فهذه الآية من سورة السجدة المكية تبين أن الصبر واليقين هما أسس الكفاح الطويل، والعمل الدائب، والجهد المتواصل الذي يصل بالأمم المناضلة إلى هدفها المنشود(7).

     فبفضل الصبر واليقين تحوَّل اليهود الأوائل من ذل هائل إلى تحرر وتمكين، بينما لقي فرعون وقومه الذين يأمرون بذبحهم وقتلهم العاقبةَ السوءآى.

     وقد أكدَّ القرآن الكريم هذه الحقيقة في سورة الأعراف:

     «وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ» (الأعراف/137).

     لقد تفاوَتَ مصيرُ قومين  تفاوتًا بعيدًا، حتى جعل الله أحدهما أئمة الهدى و قادة الأرض، حيث قال: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ» (الأنبياء/73)

     بينما جعل الآخرين دعاةً إلى النار ومن الملعونين في الدنيا و المقبوحين في الآخرة، فقال: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْـمَقْبُوحِينَ» (القصص/41،42).

     عرفنا من قصة اليهود الأوائل أنهم نالوا  بالابتلاء و الصبر واليقين والكفاح  قيادة الأرض وإمامة العالم.

     فالسور والآيات التي جاء فيها ذكر بلاء اليهود  وتنكيلهم وصبرهم ومعاناتهم كانت دروسًا تربوية تلقى على المسلمين الأوائل في مكة، كي يصبروا على أذى أعدائهم كما صبر اليهود على أذى فرعون وجنوده، ويستيقنوا بنصر الله، كما استيقنوا، فيستحقوا قيادة الأمم وإمامة العالم.

     ومن سنن الله تعالى أن الأمة  إذا تفرقت شيعًا وأحزابًا يضرب بعضهم بعضًا، ويحارب بعضهم بعضًا فقد ذهبت ريحها  وقرب هلالكها وحُمَّ قضاؤها. قال تعالى: «وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» (الأنفال/46).

     فالنزاع  والتفرُّق يؤدي إلى الفشل وذهاب الريح والهلاك والفناء.

     وإذا توحَّدوا وتضامنوا، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، وتعاونوا واضطلع كل فرد من أفرادها بعبئه، وساعد الباقين على تحمل أعبائهم كانوا أمة صالحة للبقاء. نرى هذه السنة واضحة في الأمم قديمها وحديثها وشرقيها وغربيها.

     ومن مقومات حياة الأمة أنها إذا نظَّمت النظامَ التعليميَّ والتربويَّ والأسريَّ تنظيمًا صحيحًا، وقامت بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صلحت وارتقت وكانت أمة صالحة ، وإذا لم توجد هذه المقومات أو لم يوجد بعضها لم تتكون أمة صالحة..

     تلك بعض سنن الله في رقي الأمم وانحطاطها وحياتها وفنائها جاء ذكرها في القرآن الكريم والسنة المطهرة. فمن اتبعها وسار عليها أمِنَ الانحطاط و الفناء  ونال الرقيَّ والبقاء، ومن تهاون فيها صار عرضةً للضعف والانهيار والفناء(8).

*  *  *

الهوامش:

(1)     يوم الإسلام لأحمد أمين، ص: 132.

(2)     المعجم الأوسط للطبراني، رقم: 4905 .

(3)     تفسير الرازي24/24.

(4)     تفسير القرطبي12/ 299.

(5)     تفسير ابن كثير 3/302.

(6)     السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد لعبد الكريم زيدان، ص:180.

(7)     اليهود المعتدون ودولتهم إسرائيل لمحمد الغزالي، ص:27.

(8)     فيض الخاطرلأحمد أمين،9/33.



(*)   أستاذ قسم الأدب العربي بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم ديوبند (الهند)

      sajidqasmideoband@gmail.com

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم  ديوبند ، محرم - صفر 1436 هـ = نوفمبر – ديسمبر 2014م ، العدد : 1-2 ، السنة : 39